نظرية (تعليم الأدب عن طريق قلّة الأدب)

27. Feb, 2009 في كتابات

في الواقع, أضحك عندما أقرأ ردود بعض الممثلات اللواتي يقدمن في أفلامهن مشاهد خادشة للحياء عندما يتم سؤالهن حول الأسباب التي تدفعهن لتقديم هذه الأدوار. نفس الأمر بالنسبة لمخرجي مثل هذه الأفلام. دائماً يكون الجواب على غرار :”هذه أمور واقعية تحدث في المجتمع ويجب تسليط الضوء عليها”. أو جواب يُحاول صاحبه تقديم بعد فلسفي تجريدي عميق (أو بالأحرى يُحاول أن يقنع الناس بأنه عميق) كما أجاب أحد المخرجين المصريين على سؤال حول لماذا أقحم مشهد تتعرى فيه (يسرى) في فلم يتحدث عن قضية قومية وهي حرب الخليج (عاصفة الصحراء)
فأجاب بأن المقصود هو الإشارة إلى الأمة العربية كيف (تعرّت) وتخلى عنها أبناءها. :-)
قد تظنون أنني أبالغ إذ قلت بأنني أضحك عندما أقرأ أو أسمع هذه الأجوبة لكن هذا هو الواقع. أضحك لأن صاحب الجواب يعتقد بكل صفاقة بأن المشاهد أو القارىء غبي جداً أو لا يفهم اللعبة. لعبة إقحام الجنس في الأفلام لجلب أكبر كمية من الشباب إلى دور السينما لشراء التذاكر!

ما أثارني لطرح هذا الموضوع اليوم هو خبر قرأته على موقع قناة العربية (المعروفة أيضاً بالعبرية) حول منع الرقابة اللبنانية لفيلم لبناني مليء بمثل هذه المشاهد, اقرأوا معي تعليق مخرج الفيلم: “إن الفيلم ليس وقحاً، بل جريئاً، ويسلط الضوء على جانب من المجتمع ويحمل رسالة توجيهية تقول إنه من الافضل مساعدة الاولاد والمراهقين المشردين في الشوارع، قبل أن يذهبوا الى الانحراف الجنسي أو الى الإجرام”.
آه نعم ربما معه حق .. لم يخطر لي أن فيلماً مليئاً بالقذارة يمكن أن يحمل رسالة توجيهية :-) ربما أنا قليل الثقافة ولا أفهم !! لا أدري.

إن هذه نظرية جديدة من نظريات التربية وإصلاح المجتمع. أنا متأكد من أن المراهق الذي سيشاهد هذا الفيلم, سيكون عازماً بعد انتهاء الفيلم على تكريس حياته لمساعدة المشردين في الشوارع, لا بل سوف يعيد مشاهدة الفيلم عدة مرات والتدقيق في تفاصيله وبعدها سيخرج باحثاً عن أقرب فتاة .. أ .. عفواً عن أقرب مكتبة أو مركز ثقافي ليقرأ كتباً حول ظاهرة المشردين في الشوارع!

نفس الأمر بالنسبة لفيلم يتحدث من أوله حتى آخره عن قصة حياة راقصة والأحداث التي تواجهها في المراقص والبارات ثم يزعم أصحاب الفيلم بأن هذه فئة موجودة في المجتمع وهذا الأحداث تحدث وبالتالي (يجب) تسليط الضوء عليها !! لا بل ويضيفون على هذا بأن للفيلم رسالة أخلاقية … ألم ترَ النهاية المأساوية التي أصابت الشاب الذي انحرف وصادق الراقصة كيف أُصيب بالإيدز أو قتلته العصابة أو .. أو .. هذه رسالة قوية نوجهها للشبان في آخر 5 دقائق من فيلم مدته ساعتين نعلمهم فيها عدم الانحراف!

تخيّلوا لو طبقنا نظرية (تعليم الأدب عن طريق قلة الأدب) التي يدافع عنها البعض بحجة أن قلة الأدب موجودة بالفعل, لو طبقناها كنظرية لتربية الأطفال مثلاً, كيف ستكون؟

- سيأتي الأدب ويُمسك بأحد أطفاله ويوسعه ضرباً بدون سبب حتى ينزف أنفه, ثم سيقول لطفلة الآخر :”بابا لا تضرب أخوك, اذا ضربتو رح يصير فيه هيك وينزل الدم من أنفه … حرام”

- الأخت تُريد تعليم الأخ الصغير درساً حول فوائد الحشمة. ترتدي أقصر تنانيرها وتخرج إلى الشارع فيتهافت بعض الشبان على مضايقتها أو إطلاق الكلام الفاحش على مسامعها فتقول للأخ:”هل رأيت؟ هذا ما يحدث لغير المحتشمة .. إن للحشمة فوائد جمّة !”

ولو أردت قرائة الكثير من التعليقات والتبريرات المضحكة التي تنتمي إلى أسلوب (تعليم الأدب عن طريق قلة الأدب) فما عليك إلا قرائة ومتابعة تعليقات المخرجة إيناس الدغيدي التي برعت في هذه النوعية من الأفلام (التي تصور المجتمع على حقيقته من وجهة نظرها) ومتابعة تبريراتها وتفسيراتها لهذا الذي تفعله.

إن مشكلة هذه النوعية من المخرجين والممثلين والمنتجين هي ميلهم لإنتاج هكذا نوعية من المشاهد لأسباب تجارية كماأنهم يستمتعون بهذا ولا يجدون منه ضيراً ولا تؤنبهم أخلاقهم على هذا), فلو كانوا في الولايات المتحدة لرأيتهم يعملون في مجال الأفلام الخلاعية Porn Movies لكن من سوء حظهم أنهم تواجدوا في المنطقة العربية حيث لا تسمح العادات والقيم هنا بنشر وعرض مثل هذه الأفلام لهذا يلجأون إلى عمل هذه النوعية من الأفلام, ذات القصة والرسالة في ظاهرها لكنها غير ذلك من باطنها وبهذا يستطيعون بيعها وتسويقها لدور السينما والتلفزيونات. ثم فيما بعد يزعمون بأن هذه الأفلام هي لتعطينا دروساً في الأخلاق !!!

وكي لا يتهمني البعض بأنني متشدد في هذه القضية أو بأنني أحكم على جميع الأفلام بنفس الحكم, أقول بأن أحد الأفلام العربية التي استمتعتُ وأعجبت بها مؤخراً كان فيلم (كاباريه) المصري من بطولة جمانة مراد وعدد من النجوم المصريين. ورغم أن اسم الفيلم لا يوحي بالرقي لأول وهلة إلا أنني أعجبت بالفيلم الذي تتمحور أحداثه حول تناقضات وأحداث تحدث لمجموعة من الأشخاص مرتبطين بأحد النوادي الليلية, لكن الجميل أن التركيز ليس على ما يحدث في الكاباريه من رقص وشرب وما إلى هنالك بل كان التركيز على الأشخاص وحياتهم وظروفهم العادية خارج الكاباريه وحتى مشاهد الغناء والرقص داخل الكاباريه جعلها المخرج مشاهد ثانوية تأتي في خلفية المشهد بينما ترى تركيز كادر الكاميرا على الشخص أو الحوار بين شخصين ولا تركيز على الإطلاق يبين تفاصيل خليعة لتلك الراقصة أو تلك الفتاة. الرسالة التي أراد الفيلم إيصالها هي أنه بالفعل توجد أشخاص تجبرهم الظروف المعيشية الصعبة والسيئة على اللجوء إلى العمل في مثل تلك الأماكن من أجل الحصول على لقمة العيش سواء كانوا شباناً أو فتيات.
المهم -وتفاصيل الفيلم ليست موضوعنا- أن المخرج استطاع بذكاء إيصال الرسالة بشكل محترم ومؤثر جداً بعيد عن الإسفاف وعن المشاهد الخليعة بينما لو قامت إيناس الدغيدي ومن على شاكلتها بإخراج نفس الفيلم لاستغلوا الفيلم أسوأ استغلال ولتحول إلى فيلم خلاعي حقيقي.

لا أدري إلى متى سيبقى هؤلاء يحاولون إقناعنا بأنهم يريدون تعليمنا الأخلاق عن طريق الحديث عن قلة الأخلاق والأدب عن طريق تصوير قلة الأدب لكنهم سيوفّرون علينا الكثير من الأفلام السخيفة لو يريحون أنفسهم من هذا العناء ويتوجهون إلى أوروبا والولايات المتحدة وإنتاج الأفلام الخلاعية المعروفة والواضحة على الأقل بأنها خلاعية بحتة … أرجوكم كفّوا عن الضحك على ذقوننا, أو على الأقل اعترفوا بأن أهدافكم تجارية بحتة وأوقفوا الحديث عن الرسائل الأخلاقية والاجتماعية!

أعجبتك هذه المقالة؟ شاركها عن طريق موقعك المفضل:
  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google Bookmarks
  • LinkedIn
  • Technorati
  • TwitThis
  • email
  • Print

مقالات متعلقة:

  1. تلك الأفلام السورية القديمة .. ! شاهدت البارحة على قناة المشرق فيلماً سورياً قديماً تم إنتاجه في فترة السبعينيات عندما كنت...

Related posts brought to you by Yet Another Related Posts Plugin.

Tags: , ,

10 عدد التعليقات

اللجي

27. Feb, 2009

دائما هدف السينما هو المال
ودائما يوجد اقنع تغطي ذلك
واين المربح السريع يوجد الفلم موجه اليه بكل قوى
.. تتدوينة رائعة……….

عونيــ

27. Feb, 2009

ليس هناك رسالة سامية في عرض لشريط حياة راقصة أمضت حياتها على وقع تصفيق السكارى في عُلب الليل لكي تجني دراهم معدودة.

إن في هذا تسطيح واضح و قلب للحقائق، بل و إن أفلام و أعمال أدبية كثيرة تعمل جاهدة للحصول على عطف المشاهدين تجاه هذه العاهرة أو تلك.

و من هنا تنقلب المسميّات، تصبح الفتاة العفيفة شاذّة، و بنت الشارع (منشان ما قول هيديك الكلمة) تصبح صاحبة حقوق ضائعة، على الجميع أن يتكاتف و يقف إلى جانبها.

مقالك بفتّح جروحات كتيرة، و للأسف هو موضوع شائك في واقع عالم عربي أصبح متخبّط بالكثير من التناقدات.

Rana

28. Feb, 2009

هذه هي مشكلة الأفلام العربية ليس ككل ولكن أغلبها / تستغبي المشاهد / تراها تلف وتدور حول موضوع لتظهر موضوعاً آخر بطريقة المُستتر ..
لا تستهويني الأفلام المصرية على الرغم من أن بعضها بشهادة الكثير يستحق المشاهدة ..
أعجبني قولك / ولا تؤنبهم أخلاقهم على هذا /
هذا يدل بحق على موت الضمائر و فراغ خانة / الهدف / عندَ البعض ..

الله لا يجعلنا ممن لا تؤنبهم ضمائرهم …

U : 92

28. Feb, 2009

على فكرة حتى فيلم كاباريه ينطبق عليه حال الأفلام التي ذكرتها ، فالإعلان عن الفيلم الذي كان يبث في الفضائيات لا يخلو من تلميح “واعد”، يجعل الباحثين عن المواد الرخيصة يقعون في حباله.

هل تذكر الفترة التي كانت فيها السينما تعرض نجوماً مثل أبو عنتر وحسين فهمي في ذات الفيلم؟ لا زالت تلك الروح موجودة عند منتجي اليوم ، لكنهم يقدمون أفلامهم مطورين بعض الحركات البهلوانية “المقتبسة” من أفلام تجارية غربية.

khalid j

28. Feb, 2009

الله يرحم الذوء والاخلاق اصلا مين غير هل المخرجين
الي نزعو هلشباب !!!
للاسف حتى الشباب ما بقي عندون اخلاء حتى يقدرو يبتعدو عن هيك رزالات او (لا اخلاقيات) المهم الله يبعدنا عنهن

المدونه حلوه الله يعطيك العافيه

AN@S

28. Feb, 2009

رنا: وأنا أيضاً لست ممن تستهويهم الأفلام المصرية على الإطلاق, لكنني أعترف بصدور فلمين أو ثلاثة كل عام من الأفلام الجميلة التي تستحق المشاهدة بالفعل.

يوراميوم: في الواقع لم أشاهد إعلان فيلم كاباريه وحتى الفلم نفسه حدث أنني شاهدته بالمصادفة البحتة ولم أتقصد البحث عنه أو شراءه, لكن لو كان المنتجون اختاروا إعلاناً يُظهر الفيلم بمستوى أقل من حقيقته فهذا يدلك على استفحال المرض.

maram_soft

28. Feb, 2009

متل ما صار بالفيلم ما بعرف شو اسمو بس بعرف انو بطولة ماريا هي الجدبة واخراج يمكن جاد شويري
سمعت أنو من كتر اللقطات المؤذية يلي مالها ضرورة العالم تركت مقاعدها بالسنيما وراحت
لازم نوعي العالم بسرعة قبل ما تنتشر هي الظاهرة ببلدنا الحبيب سوريا
شكرا لطرحك هذا الموضوع

عطاالله

28. Feb, 2009

يجب تسليط الضوء عليها لتبقى موجودة حتى تبقى تلك الأفلام موجودة ….. بالنسبة لايناس الدغيدي فهي مضطرة أن تظهر بصورة مخرجة حتى تستطيع نقل الأماكن والأفكار الخليعة للذين لا يستطيعون الذهاب لها بشكل شخصي …. وعموما وبكل تجرد أقول أن نظرتها واسلوب حديثها ليس اسلوب “وحدة تمام” ….
سلامي لك

Abu alnos

28. Feb, 2009

السلام عليكم
إذا أراد أي شخص إنتقاد ظاهرة الأفلام السيئة الخالية من القيم يجب أن ينتقد الإعلان العربي بشكل عام فبلكاد تسمع عن محطة محترمة ذات هدف أو حتى مبدأ للأسف حتى المحطات التي تعرض أفلام أجنبية أشعر وكأن أفلامها موجهة لتخريب الفكر العربي”إذا كان موجود أصلاً في هذا الزمن” وأحب أن أضيف أن هذه الظاهرة دائما تتكثف في وقت الأزمات ولا أظنها بمحض الصدفة مثلا فترة 1968-1979 كانت زاخرة بأفلام من أسوء الأنواع وهي الفترة التي بدء محو قضايا الحرب مع إسرائيل وبدء عملية السلام مثلا .
ومن وجهة نظري هناك تخريب في الأخلاق الفكرية وفي الفكر نفسه أكثر من الأخلاق الجسدية إذا صح التعبير فمثلا عندما لا يظهر للفنان عادل إمام أي فيلم لا يسيء للمسلمين و تشعر انه دائما يحاول إظهار المتدينين متطرفين لا أظن هذا بمحض الصدفة أيضاً مع العلم أن أفلامه دائما مدعومة من الحكومة المصرية من ناحية الدعاية والتسويق ومن جديد بدء إدراج فكرة الأصحاب بالأفلام بين البنات والشباب لغاية الذهاب معا لإستأجار شالية مثلا على البحر “عادي يعني ليش التشدد” و ذاك الشخص الذي يفعل السبعة وذمتها وفي نهاية الفيلم يبدو كالطفل البريء الذي جرفته الدنيا, أما عن الأغاني فحدث ولا حرج .
أنا لست متشائم ولا أنكر أنه أحينا قليلية جدا ما ترى فيلم ذو رسالة ونظيف لكن غالبا بالكاد تسمع عنه.
تدوينة حلوة الله يعطيك العافية وأتمنى أن نرى كثيراً من الإنتقاد لهذه المهزلة

محمد

02. Mar, 2009

يعني يا جماعة خلونا نكون واقعيين
مين ما بيعرف أنو الوسط الفني بكل العالم هنن بدون منازع اسوأ الناس
فشو بتتوقعوا من واحد سيء بدو يعمل فيلم لو قد ما حاول يصلح المجتمع و يورجي حياة الناس
أجباري شخصيته لح تنعكس
مثلاَ إذا قلت لمدمن مخدرات عمللنا فيلم يوعي الشباب على خطورة المخدرات شو بتتوقعوا يعمل ؟؟؟
وهيك حال الأوساط الفنية عنا حدث ولا حرج من أحسن واحد فيهن لأسوأ واحد فيهن هدفهن المصاري وبس لا يصلحوا المجتمع ولا بطاطا
وفي كلمة أنا سمعانها من مخرج أمريكي ” إذا عندك فكرة بدك توصلها للناس وصلها من خلال عنف أو حب”

أترك رداً

إن لم يكن لديك لوحة مفاتيح عربية تستطيع الضغط على Ctrl+g وذلك للكتابة باستخدام خدمة تعريب من غوغل (مثال: mar7aba ستتحول تلقائياً لتصبح "مرحبا")